أخبار مصرمجتمع الناس

عبد الستار

قصة قصيرة – بقلم : على شعيب

لم يكن عبد الستار الشرقاوى رجلاً عادياً فقد كان يتمتع بحاسة سمع خارقة جعلته يسمع دبة النملة ، وخاصة أولئك الصبية الذين يحاولون التسلل لطلوع شجرة التوت الباسقة أمام منزله ، كان ضخم الجثة ذو شارب كث غير منظم ، وشعر أجعد لطالما أبكى المشط الذى حاول الاقتراب منه .. جلبابه الرصاصى الذى تحول إلى اللون الأسود بفعل الشحم والزيت من سيارته الأجرة المتهالكة والذى يقضى ساعات فى إصلاحها دون جدوى ..
كان دائم الشجار مع الركاب وكثيراً ما كان يتوقف بسيارته على الطريق ويسحب أحد الركاب خارجاً لتدور بينهما معركة يستخدم فيها عبد الستار كل الأدوات المتاحة وسط صرخات الستات و” حسبنة” الرجال والذين لم يتجرأ أى واحد منهم ويغامر لفض الاشتباك ، وبعد المعركة – والتى دائماً ينتصر فيها – يركب عبد الستار سيارته موزعاً نظراته النارية على الجميع قبل ان يتمتم بصوته الأجش 🙁 الواحد معتش عاوز يضرب حد بس أعمل إيه الناس بتناكفنى وانا إيدى بتاكلنى) ، ثم يضيف فى لهجة المنتصر ( الواحد مبعرفش ينام إلا لما يضرب حد كل يوم ) ، كل الركاب كانوا يخشونه لأنه كان سليط اللسان ، وكثيراً ماكان بعضهم يفضل النزول قبل المحطة بمسافة كبيرة خوفاً من بطشه وتجنباً للسانه الذى لا يهدأ أبداً ..
عبد الستار كان يكره الأطفال، ربما لأنه لم ينجب ، وكان يتفنن فى تعذيبهم إذا ما أمسك بأحدهم على شجرة التوت دون علمه ..كان ينتظره حتى ينزل ثم يقوم بربطه على الشجرة ولا يقوم بفكه إلا عندما يأتى أبوه ليأخذه بعد أن يكيل له وابلاً من الشتائم والتوبيخ بحجة أن هذا الشقى نغص عليه حياته وطير النوم من عينه .. والحقيقة أن عبد الستار كان لاينام كثيراً فهو إما أن يكون منهمكاً فى إصلاح سيارته ، أو يسند ظهره على جذع الشجرة ليغفو قليلاً ، ثم تراه يهب كالكلب المسعور إذا ماسمع وقع أقدام تقترب .. ( امشى يا ابن الكلب من هنا )
زوجته التى عاشت معه عمراً لم تتجرأ يوماً وترفع صوتها أمامه .. ذهبت إلى أكثر من طبيب وكلهم أجمعوا أن العيب ليس منها .. فشلت كل المحاولات فى إقناعه بالعلاج، وكلما جاءت سيرة ” الخلفة “.. كانت زوجته تنظر إلى الأرض وهى تردد فى صوت يملؤه الخوف ( كل حاجة ولها علاج يا اخويا ) .. ( انتى بتبرطمى وتقولى ايه يا ولية .. أنا راجل ابن راجل وهجوز انشاله عشرة عشان اخلف الوله) .. كان مجرد الحديث مع عبد الستار فى هذا الموضوع بمثابة الدخول إلى حقل ملىء بالألغام ، وهى من حياتها الطويلة معه فهمت ذلك جيداً ولم تعد تفتح معه هذا الموضوع أو حتى تلمح له ، وكانت أحياناً تصبر نفسها ( ربنا عاوز كده .. واللى جاى مهوش أكتر م اللى عدى .. العوض عندك يارب ) .. طلبت من أخواتها عدم زيارتها خوفاً على شعور زوجها والذى كثيراً ما كان يظهر الضيق والضجر من أصوات أولادهم العالية ( الواحد زى مايكون قاعد فى سيرك .. كل واحدة تلم ولادها دماغنا وجعنا ) ، ومن ذلك اليوم وزوجته لا تستقبل أخواتها فى منزلها ، بل هى التى تذهب لزيارتهن من حين لآخر ..
بعد العصر أسند عبد الستار راسه على جذع الشجرة العتيقة ونام كعادته كل يوم ، وجاءت زوجته بصينية الشاى وطبق القطايف الذى يحبه .. نادت عليه لكن عبد الستار لم يجب ، نادت عليه مرة ثانية وثالثة ورابعة لكن دون جدوى .. ذهبت إليه وهزته فسقط على الأرض ..
مات عبد الستار وامتلأ المنزل بالعويل والنحيب, وعلى مقربة من المنزل وقف مجموعة من الصبية يتابعون المشهد وعلى وجوههم فرحة عارمة لم يستطيعوا أن يخفونها !!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق