أخبار مميزةمقالات

حيرة مصر بين الحكومة والفرخة

كتب : ياسر أيوب –  تصميم : إدوار عبد الملك

المسافة بين الحكومة والفرخة تسمح بكثير جدًا من السخرية لمن لا يعرف غيرها.. وتسمح بكثير جدًا من الغضب والصراخ لمن لا يريد إلا الصراخ.. وتسمح أيضًا بكثير من الفكر وطرح الأسئلة وفتح الملفات لمن يريد أن يسأل ويحاول أن يفهم.. فعلى جانبى هذا الطريق الواصل بين الحكومة والفرخة هناك كل الشواهد والتفاصيل والحقائق والأكاذيب والشائعات والاتهامات وعلامات الاستفهام المطروحة فى كل طريق وكل مكان وكل يوم فى مصر.. ولم يعُد من الضرورى التوقف الآن أمام كل أزمات مصر ومواجعها إنما يكفى جدًا أن نتوقف أمام أزمة الحكومة والفرحة.. أو أزمة الحكومة وقرارها بإعفاء الدواجن المستوردة من الجمارك.. وسنجد أنفسنا أمام كل هذه الحقائق والتفاصيل والأسئلة.
(1) قررت الحكومة فى شهر نوفمبر إعفاء الدواجن المستوردة من الجمارك.. ثم عادت فى اجتماعها يوم السبت الماضى وقررت تشكيل مجموعة عمل لدراسة تفاصيل صناعة الدواجن وتربيتها وتجارتها واستيرادها حتى تتمكن الحكومة من اتخاذ قرار صحيح ونهائى وهل يتم إلغاء الجمارك على الدواجن المستوردة أو الإبقاء عليها.. أى أننا أمام حكومة تقرر أولاً ثم تبدأ البحث والدراسة لاحقًا.. حكومة تسير عكس المنطق فلا يسبق تفكيرها قرارها ولا تدرس أى أمر قبل أن تحسمه.. فالمفترض فى كل بلدان العالم قبل أى قرار أيًا كان نوعه ومجاله أن يسبقه تخطيط ودراسات وتوقع للنتائج وحساب كل الاحتمالات.. والمشكلة الآن أن نفس الحكومة تريد إلغاء قرار إعفاء الدواجن المستوردة من الجمارك وتريدنا أن نصفق لها باعتباره القرار الصحيح والضرورى.. وفى نفس الوقت تنزعج نفس الحكومة وتغضب ممن ينتقد ويهاجم القرار الأول بالإعفاء من الجمارك.. أى أن حكومتنا تريد أن تصدر قرارين متناقضين أحدهما عكس الآخر وتريدنا أيضًا أن نقبل هذين القرارين والتصفيق لهما وللحكومة أيضًا.
(2) تحترف الحكومة الصمت العميق مع أنه ليس الكلام دائمًا من فضة والسكوت هو الذهب.. فلم تتكلم الحكومة وتشرح للناس مبررات ودواعى قرارها بإلغاء الجمارك على الدواجن المستوردة.. ولم تتكلم أيضًا لتشرح لنفس الناس لماذا بدأت تفكر فى إلغاء قرارها.. مع أن هذا القرار ليس من القرارات الإستراتيجية التى يلزمها الصمت والحذر والسرية المطلقة والحساسية الهائلة.. ولا أقصد بكلام الحكومة أن يستضيف أحد برامج الكلام الليلى وزيرًا أو مسئولاً.. إنما أقصد الكلام الرسمى للحكومة ممثلاً فى بياناتها وتقاريرها ونتائج دراساتها.. وقد يعارضنى أحد مؤكدًا أنه لم يكن ممكنًا أن تُعلن الحكومة أنها تفكر فى إلغاء أو زيادة الجمارك على أى سلعة حتى لا تمنح الفرصة لمن يتاجرون بأحوال الناس ويحققون المزيد من المكاسب على حساب هموم الناس وأوجاعهم وحمولهم الثقيلة.. وحتى لو كان ذلك صحيحًا فمن المقبول أن تفاجئ الحكومة الجميع بمثل هذا القرار لكنها بمجرد إعلانه تقدم لكل الناس دراساتها ودوافعها لمثل هذا القرار.. لكن هذا الفكر الداعى للسرية والمفاجأة ليس صحيحًا.. فهناك قرارات لابد أن يسبقها الحوار والنقاش وطرح الأفكار والاحتمالات وليس العكس.. والدليل هو أن الحكومة بعدما قررت.. اضطرت للعودة للدراسة والبحث مما يعنى أنها حكومة لم تدرس أولاً.. وأنها أصلاً ليست مقتنعة بقرارها وليست على استعداد للدفاع عنه أمام أى انتقاد أو هجوم.
(3) سكوت الحكومة الفاضح والفادح يسمح بكثير من الشائعات والاتهامات والأكاذيب.. فعدم التوضيح والمكاشفة والشرح والمصارحة جعلت الكثيرين يقولون إن أحمد الوكيل هو المستفيد الأول من هذا القرار المؤقت بإلغاء الجمارك.. وأنه بمعاونة الحكومة نجح فى تحقيق أرباح تجاوزت المليار جنيه بسبب هذا القرار.. ولم يعد هناك ما يمكنه إقناع الناس بعكس ذلك.. وحتى حين خرج أحمد الوكيل يدافع عن نفسه أو بدأ آخرون الدفاع عنه.. لم يجدوا إلا التأكيد على أن أحمد الوكيل لا يعمل فى تجارة واستيراد الدواجن.. ولم يكن هذا الكلام مقنعًا لمن أرادوا اتهام الوكيل والحكومة معًا حيث يمكن للوكيل استيراد أى شىء بأسماء مستعارة وليس من الضرورة أن يظهر اسمه فى أى أوراق رسمية.. وكانت النتيجة أن بقى أحمد الوكيل متهمًا شعبيًا بالفساد دون أى أدلة حقيقية.. ودخلت الحكومة معه قفص الاتهام نتيجة عجزها وسكوتها وقلة حيلتها.. كما قيل أيضًا إن هناك شحنة دواجن دخلت ميناء الإسكندرية فى اليوم التالى لصدور قرار الإعفاء من الجمارك.. وتساءل الناس لمصلحة من؟ وأنه بالتأكيد كان هناك من يعرف مسبقًا بقرار الإعفاء فتعاقد مقدمًا على استيراد الدواجن وهو يثق أنه لن يسدد أى جمارك حيث ستصل المراكب بعد صدور القرار.. ولم تهتم الحكومة بتوضيح وإعلان اسم الجهة الرسمية التى من أجلها ولحسابها دخل ميناء الإسكندرية مركب يحمل سبعين طنًا من الدواجن المستوردة.. ثم قيل فى المواقع والصحف إن الكمية الحقيقية التى دخلت ميناء الإسكندرية من الدواجن المستوردة تزيد على المائة وسبعين ألف طن.. وهى كمية لا يقدر على استيعابها ميناء الإسكندرية بمواصفاته الحالية.. وسيظل الناس يتبادلون اتهاماتهم وسخريتهم وشتائمهم وغضبهم أيضًا طالما بقيت الحكومة تتمسك بالصمت.. فالصمت أحيانًا اعتراف ضمنى بالخطأ والفساد.. والمفترض أن تقوم الحكومة بنقل كل شىء إلى النور حتى لا تسمح لأى أحد باختلاق أى أكاذيب وترويج أى شائعات.. إلا إن كان بعضٌ أو كثيرٌ من تلك الاتهامات صحيحًا وبالتالى تعجز الحكومة عن الرد والتوضيح وتخشى النور والمصارحة.
(4) حكاية الحكومة مع قرار إعفاء الدواجن المستوردة من الجمارك كان من الممكن استغلالها بشكل صحيح لحسم الجدل المصرى القديم والطويل بشأن فرض الجمارك على أى واردات أجنبية لحماية الصناعات المصرية المحلية.. حيث المنتج المستورد تبقى أسعاره غالية مقارنة بالمنتج المحلى الرخيص.. ويزداد رواج المنتج المحلى ويربح أصحابه نتيجة مبيعاتهم التى تتزايد يومًا وراء يوم.. لكن لأننا فى مصر نهوى كسر أى منطق والتمرد على كل قواعد بديهية وضرورية وصحيحة.. أصبحنا لا نفرض الجمارك لتوفير منتجات محلية للناس بأسعار تناسب ظروفهم واحتياجاتهم.. وإنما أصبحنا نحمى أصحاب هذه المنتجات ليبيعوها محليًا بأغلى من أى أسعار عالمية.. فالمواطن المصرى يشترى الدجاجة المحلية الأغلى كثيرًا من أى دجاجة فى أى بلد آخر.. ويشترى السيارة المجمعة محليًا أغلى كثيرًا من أى سيارة مماثلة فى أى بلد.. ومن الدجاجة إلى السيارة هناك ألف سلعة وألف صناعة لم يستفد الناس بفرض الجمارك على المستورد لحماية المحلى وإنما استمتع بذلك تجار ومصنعون فقط كان ولا يزال بإمكانهم الربح الكثير دون هذه المغالاة فى الأسعار.. وكان بإمكان الحكومة مناقشة كل تفاصيل وحقائق وأرقام صناعة الدواجن فى مصر وبحث أفضل السبل لخفض أسعار الدواجن محليًا أو حتى المحافظة على ثبات أسعارها التى تتزايد يومًا وراء يوم.. وبعد كل ذلك يمكن بحث وتقرير هل يتم إلغاء الجمارك على الدجاج المستورد أو الإبقاء عليها حماية لصناعة الدواجن المحلية فى مصر.. وفى كل الأحوال لا يليق أن يصدر أى قرار بأثر رجعى أيًا كانت الدوافع والأسباب.
(5) كان ولا يزال ممكنًا لحكومتنا استغلال هذا الجدل الذى انفجر مؤخرًا.. سواء نتيجة إلغاء الجمارك على الدواجن المستوردة الذى بدأت الحكومة تفكر فى التراجع عنه.. أو نتيجة زيادة الجمارك على كثير من السلع التى ثبُت فيما بعد أنها ليست كلها سلعًا استفزازية وبعضها ضرورى وحيوى جدًا لكثير من الناس.. وأقصد باستغلال هذا الجدل هو الكشف عن مأساة أكبر وأشد إيلامًا تتلخص فى أن مصر لم تتعلم بعد أن تصنع حتى أشياءها البسيطة.. فهناك الكثير من السلع التى يمكن صنعها فى مصر وبالجودة المطلوبة والإتقان الضرورى وتكون أرخص كثيرًا من مثيلاتها المستوردة خاصة فى ظل تعويم الجنيه وجنون الدولار.. ويبدأ الالتفات الحقيقى والجاد.. بعيدًا عن أى استعراض سياسى وإعلامى.. لهذا الملف وفتح باب الاستثمار فى تلك الصناعات وتسهيل تأسيس هذه المصانع أو حتى الورش الصغيرة ليصبح هذا الجدل بداية جميلة لإصلاح حقيقى بدلاً من كل هذا الجنون.. وهذه السخرية.. وهذا الإهمال.. وهذه الفوضى التى دفعنا وسنبقى كلنا ندفع ثمنها يومًا وراء يوم.

مقالات ذات صلة

إغلاق